محمد جمال الدين القاسمي
94
طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري
انفرادا لم يشاركه فيه أحد من أقرانه فيما أعلم ، لقوة ملكته وذكائه ، وغور فهمه ، [ و ] كان يقرأ مثل حواشي العصام على « الجامي » وحواشي « الشمسية » وشروحها ، و « حواشي الفناري » و « حواشي النتائج » و « المغني » وشروح « الشافية » ومثل « التحفة » في الفقه الشافعي ، بلا مطالعة متقدمة ، بل يدرك غورها ومالها وما عليها بمجرد مروره عليها أول وهلة ، مما لم أره لغيره من أقرانه . وانفرد أيضا بحفظ كثير من الأوراد المأثورة وغيرها ، فقد كان يلازم تلاوتها صباحا ومساء . ويتلوها صباحا بعد الفجر أمام المقام اليحيوي بالجامع الأموي . وفي سنة ( 1262 ) قدم لدمشق السيد محمد علي أفندي الكيلاني مفتي حماة ، فلقّنه الذكر ، وأجازه بالأوراد القادرية ، وألبسه تاجا ، ولم يزل يتعمم التاج منفردا عن أقرانه بذلك محافظة على العهد . وكان له في داره ميعاد ذكر ليلة السبت بعد العشاء يجتمع عنده لفيف من الفقراء وأهل الذكر ، وقصد لعمل التهاليل في دمشق ، فقلّ أن يمضي شهر إلا وعنده تهليلة أو أكثر . وكان يصنع تهليلة لوالده سنوية في الليلة السادسة من شهر صفر يدعو إليها علماء الشام وأعيانها وسواهم ، فيغدو المجمع في داره حافلا جدا . وكان قدّس سرّه متوددا إلى الكافة ، لطيف الأخلاق ، متواضعا ، بشوشا ، سليم الصدر ، لين العركة ، سهل الانقياد ، محببا إلى الجميع ، سخيا سخاء جبلّيا ، مضيافا ، يلاطف الكبير والصغير ، ويعاشر طلبته ويحادثهم ويحادثونه ، يحفظ أخبار الطبقة المتقدمة وما جرياتها ، منقطعا للإفادة والتعليم . وبلغت دروسه عشرة في اليوم والليلة . وربما أقرأ قبل طلوع الشمس وأقرأ كثيرا بعد العشاء في الليالي الطويلة . وحضرته سنة من السنين وقتئذ وله درس عام بين العشائين في الأموي درّس فيه كثيرا من الحديث والتفسير وغيرهما .